أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
274
شرح مقامات الحريري
المروءة أديمه . فعقلت ما عناه ، وإن لم يدر القوم معناه ، وساءني ما يعانيه من الرّعدة ، واقشعرار الجلدة . فعمدت لفروة هي بالنّهار رياشي ، وفي اللّيل فراشي فنضوتها عنّي ، وقلت له : اقبلها منّي ؛ فما كذب أن افتراها ، وعيني تراها . ثم أنشد : [ السريع ] للّه من ألبسني فروة * أضحت من الرّعدة لي جنّه ألبسنيها واقيا مهجتي * وقّي شرّ الإنس والجنّه سيكتسي اليوم ثنائي وفي * غد سيكسى سندس الجنّه * * * والعصامية : منسوبة إلى عاصم بن شهبر بن الحارث الجرميّ ، حاجب النعمان بن المنذر الذي يقول له النابغة : [ الوافر ] فإني لا ألام على دخول * ولكن ما وراءك يا عصام « 1 » ولم يكن عصام شريفا ، ولا نشأ في قومه ، ولكن كان من أشدّ الناس بأسا ، وأفصحهم لسانا ، وأحزمهم رأيا ، وأقربهم إلى النعمان ، وقال له رجل يوما : كيف بلغت هذه المنزلة من الملك وأنت دنيء الأصل ؟ فقال : [ الرجز ] نفس عصام سوّدت عصاما * وعلّمته الكرّ والإقداما * وصيّرته سيّدا هماما « 2 » * ويقال : كن عصاميا ولا تكن عظاميا ، أي افتخر بنفسك لا بآبائك الذين ماتوا وبقيت عظامهم . فكلّ من ليس له شرف قديم ، وشرف بنفسه ، يقال له عصاميّ . وكانت لرجل عند الحجاج حاجة ، فوصف بالجهل والحمق ، فأراد أن يختبره ، فقال : أعصاميّ أنت أم عظاميّ ؟ فقال له الرجل : عصاميّ عظاميّ ، فظنّ أنه يريد افتخاره بنفسه لفضله وبآبائه لشرفهم ، فقال الحجاج : هذا من أفضل الناس ، وقضى حاجته ثم جرّبه بعد ذلك ، فوجده أجهل الناس ، فقال له : أصدقني وإلا قتلتك ، أجبتني بعصاميّ وعظاميّ ، فقال له الرجل : لم أعلم معناهما ، فخشيت أن أقول أحدهما فأخطئ ، فقلت في نفسي : أقولهما معا ، فإن ضرّني أحدهما نفعني الآخر ، فقال الحجاج : المعاذير تصيّر الغبيّ خطيبا ، فذهبت مثلا .
--> ( 1 ) البيت في ديوان النابغة الذبياني ص 105 ، ومقاييس اللغة 4 / 334 . ( 2 ) الرجز لعصام بن شهبر في تاج العروس ( شهبر ) ، وبلا نسبة في لسان العرب ( عصم ) ، ومقاييس اللغة 2 / 175 ، 4 / 334 ، وتاج العروس ( عصم ) .